لم يكن اختفاء بعض الوظائف بفعل التكنولوجيا أمرًا جديدًا على تاريخ سوق العمل. فمع كل موجة ابتكار كبرى كانت مهن كاملة تتراجع أو تختفي لتحل محلها وظائف أخرى أكثر ارتباطًا بالعصر الجديد. فاختراع الكهرباء مثلًا أنهى الحاجة إلى مهن مثل مشعل المصابيح وموقظ العمال ليلًا، بينما أطاحت الحواسيب بوظائف إدخال البيانات اليدوي ومشغلي لوحات الهاتف وكتبة الملفات. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يستعد لكتابة فصل جديد من هذا التحول، لكن هذه المرة في قلب الوظائف المكتبية والمهنية.
في هذا السياق، كشفت دراسة حديثة أعدتها شركة Anthropic المتخصصة في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي عن خريطة أولية للوظائف الأكثر عرضة للتأثر أو الاستبدال بهذه التكنولوجيا. ويقدم التقرير، الذي حمل عنوان «تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل: مقياس جديد وأدلة أولية»، قراءة تحليلية للفجوة بين ما يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام به نظريًا، وما يتم استخدامه فعليًا داخل بيئات العمل.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن القدرات النظرية للذكاء الاصطناعي تتجاوز بكثير مستوى استخدامه الحالي. فالتكنولوجيا قادرة بالفعل على أداء نسبة كبيرة من المهام المرتبطة بقطاعات الأعمال والتمويل والإدارة وعلوم الحاسوب والرياضيات والقانون والإدارة المكتبية. ومع ذلك، فإن الاعتماد الفعلي على هذه القدرات ما زال محدودًا نسبيًا، وهو ما رصده الباحثان ماكسيم ماسينكوف وبيتر مكروي من خلال تحليل بيانات تفاعل المستخدمين مع نموذج الذكاء الاصطناعي Claude التابع للشركة.
ويعكس هذا التباين بين الإمكانات النظرية والتطبيق الفعلي حالة من الترقب داخل سوق العمل؛ فبالنسبة للبعض يمثل بطء الاعتماد على الذكاء الاصطناعي عامل طمأنة مؤقت، بينما يرى آخرون أنه مجرد مرحلة انتقالية تسبق تحولًا أكبر في طبيعة الوظائف.
ويحذر عدد من قادة صناعة التكنولوجيا من أن تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف المكتبية قد يكون أعمق مما يُتوقع. فقد أشار داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، في تصريحات سابقة إلى أن هذه التكنولوجيا قد تؤثر على ما يقرب من نصف الوظائف المكتبية المخصصة للمبتدئين. وفي الاتجاه نفسه، توقع مصطفى سليمان، رئيس قطاع الذكاء الاصطناعي في شركة مايكروسوفت، أن تشهد العديد من الأعمال المهنية تغيرات جذرية خلال فترة تتراوح بين عام و18 شهرًا.
ورغم هذه التوقعات، يرى الباحثون أن هناك مجموعة من العوامل التي تؤخر الانتشار الكامل لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. وتشمل هذه العوامل القيود القانونية والتنظيمية، والتحديات التقنية المرتبطة بقدرات النماذج الحالية، إلى جانب الحاجة إلى أدوات برمجية إضافية لضمان التكامل مع أنظمة العمل، فضلًا عن ضرورة وجود مراجعة بشرية لنتائج الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يؤكد التقرير أن هذه العوائق قد تكون مؤقتة في ظل التطور السريع للتكنولوجيا.
الفئات الأكثر تعرضًا للخطر
ولفهم طبيعة التأثير المتوقع، قدمت الدراسة مؤشرًا جديدًا أطلقت عليه اسم «التعرض الملاحظ»، وهو مقياس يقارن بين القدرة النظرية للذكاء الاصطناعي على أداء المهام المختلفة وبين مستوى استخدامه الفعلي في بيئات العمل.
وبحسب النتائج، فإن الفئات الأكثر عرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي ليست العمالة اليدوية أو الوظائف الميدانية، بل على العكس تشمل المهن المعرفية التي تتطلب مستويات تعليمية مرتفعة. وتشير البيانات إلى أن هذه الفئات غالبًا ما تضم موظفين أكبر سنًا، ويحصلون على دخول أعلى من المتوسط، كما تزيد احتمالات امتلاكهم لشهادات عليا بنحو أربع مرات مقارنة بالفئات الأقل تعرضًا.
كما أظهر التحليل أن الوظائف الأكثر تعرضًا لتأثير الذكاء الاصطناعي قد تضم نسبة أكبر من النساء بنحو 16 نقطة مئوية مقارنة بغيرها، فيما يبلغ متوسط دخول العاملين بها أعلى بنحو 47% من الفئات الأقل تأثرًا.
ومن بين المهن التي أشار التقرير إلى ارتفاع احتمالات تأثرها بالذكاء الاصطناعي المحامون والمحللون الماليون ومطورو البرمجيات، وهي وظائف تعتمد بدرجة كبيرة على معالجة المعلومات والتحليل واتخاذ القرار. أما على المستوى العملي، فتبرز وظائف مثل مبرمجي الحاسوب وممثلي خدمة العملاء وموظفي إدخال البيانات ضمن الفئات الأكثر تعرضًا للأتمتة في المدى القريب.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى مرحلة استغلال كامل إمكاناته داخل المؤسسات، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن التحول في سوق العمل قد يكون تدريجيًا لكنه عميق التأثير. فبدلًا من اختفاء الوظائف دفعة واحدة، قد تبدأ التغيرات عبر إعادة توزيع المهام داخل الوظيفة نفسها، بحيث يتولى الذكاء الاصطناعي تنفيذ الأعمال الروتينية والتحليلية، بينما يركز البشر على الجوانب الإبداعية والاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، يبدو أن المرحلة المقبلة لن تشهد فقط استبدال بعض الوظائف، بل إعادة تعريف طبيعة العمل المكتبي نفسه، مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى شريك يومي في أداء المهام المهنية وصنع القرار داخل المؤسسات.

الوسوم






