تشهد صناعة التسويق العالمية تحولاً غير مسبوق مع تسارع الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، في وقت بدأت فيه القواعد التقليدية للإعلان والتأثير على المستهلك تفقد فعاليتها تدريجياً، لصالح نماذج جديدة تعتمد على البيانات والخوارزميات والوكلاء الافتراضيين القادرين على اتخاذ قرارات الشراء بصورة مستقلة.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور إبراهيم حجازي، أستاذ التسويق بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن السوق العالمي يمر حالياً بإحدى أكثر المراحل تحولاً في تاريخ التسويق، موضحاً أن كثيراً من الأدوات التقليدية المستخدمة لعقود أصبحت غير قادرة على مواكبة طبيعة المستهلك الجديد أو البيئة الرقمية المتغيرة، خاصة مع تنامي دور الذكاء الاصطناعي في عمليات البحث والمقارنة واتخاذ القرار.
وخلال مشاركته في فعاليات The Marketers League، أوضح حجازي أن مستقبل التسويق لم يعد قائماً فقط على الحملات الإبداعية أو الرسائل العاطفية المؤثرة، بل بات مرتبطاً بقدرة العلامات التجارية على فهم كيفية عمل “الوكيل الذكي” الذي أصبح يتولى جانباً متزايداً من قرارات الشراء نيابة عن المستخدمين.
انتقال من التسويق للبشر إلى التسويق للأنظمة الذكية
يعكس هذا التحول تغيراً جوهرياً في فلسفة التسويق ذاتها، فبعد سنوات اعتمدت خلالها الشركات على التأثير النفسي والعاطفي لجذب المستهلك، أصبحت الأنظمة الذكية اليوم تتعامل مع المنتجات والخدمات وفق معايير مختلفة تماماً، ترتبط بجودة البيانات ودقتها وسهولة قراءتها آلياً.
وأشار حجازي إلى أن الإعلانات التقليدية التي تعتمد على القصص الإنسانية أو العروض المؤقتة لم تعد تحقق التأثير ذاته في بيئة الذكاء الاصطناعي، لأن الوكلاء الافتراضيين لا يتفاعلون مع الرسائل العاطفية، بل يعتمدون على تحليل البيانات الوصفية “Metadata”، وواجهات برمجة التطبيقات “API”، والمعلومات التقنية المرتبطة بالمنتج أو الخدمة.
ويعني ذلك أن المنافسة المستقبلية بين العلامات التجارية لن تكون فقط على مستوى الصورة الذهنية أو قوة الحملة الإعلانية، وإنما على مستوى “قابلية القراءة الرقمية” للعلامة التجارية ومدى قدرة الأنظمة الذكية على فهمها وتصنيفها ومقارنتها بصورة دقيقة.
نهاية نموذج “قمع التسويق” التقليدي
بحسب حجازي، فإن نموذج “Marketing Funnel” أو “قمع التسويق”، الذي ظل لعقود أساس استراتيجيات التسويق العالمية، يشهد حالياً تراجعاً واضحاً مع صعود نموذج جديد يعرف باسم “A2A” أو “Agent to Agent”، حيث تتم عمليات التقييم والشراء عبر تفاعل الأنظمة الذكية مع بعضها البعض دون تدخل بشري مباشر في كثير من الأحيان.
وأوضح أن النموذج الجديد يعتمد على ثلاث مراحل رئيسية تبدأ بـ”الفهرسة”، والتي تشمل جمع البيانات المتعلقة بالسعر والمواصفات الفنية ومعلومات التشغيل، ثم مرحلة “التحقق” التي تقوم خلالها الأنظمة الذكية بمقارنة المعلومات بين المنصات المختلفة للتأكد من دقتها، وصولاً إلى مرحلة “التنفيذ”، حيث يتم اتخاذ القرار الشرائي بناءً على البيانات الأكثر موثوقية.
ويشير هذا التحول إلى أن الشركات أصبحت مطالبة بإعادة بناء بنيتها التسويقية بالكامل، بحيث تصبح منتجاتها وخدماتها قابلة للتفاعل الآلي مع الأنظمة الرقمية، وليس فقط جذابة للمستهلك البشري.
“الكود” يتفوق على الرسائل العاطفية
يرى حجازي أن عام 2026 يمثل نقطة تحول فارقة في صناعة التسويق، موضحاً أن “الكود البرمجي” أصبح أكثر تأثيراً من الرسائل الدعائية التقليدية، في ظل اعتماد الأنظمة الذكية على التحليل البرمجي والبيانات الدقيقة لاتخاذ قرارات الشراء.
ويفرض هذا الواقع على العلامات التجارية الانتقال من مفهوم “شخصية العلامة التجارية” إلى مفهوم “قابلية البرمجة”، بحيث تصبح العلامة التجارية مفهومة للأنظمة الذكية وقابلة للقراءة والتحليل والتفاعل المباشر.
كما لفت إلى أن مفهوم “الانطباع الإعلاني” لم يعد مرتبطاً فقط بعدد الأشخاص الذين شاهدوا الإعلان، بل أصبح يشمل أيضاً قدرة الروبوتات والأنظمة الرقمية على قراءة محتوى الإعلان وتحليل بياناته داخل المنصات المختلفة، حتى دون وجود تفاعل بشري مباشر.
المستهلك داخل “الفقاعة الرقمية”
وأوضح حجازي أن المستهلك الحديث أصبح يعيش داخل “فقاعة رقمية” تتمثل في الهاتف المحمول والتطبيقات الذكية والمساعدات الافتراضية، حيث تعتمد شريحة متزايدة من المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي في ترتيب الخيارات وجمع المعلومات واتخاذ القرارات الشرائية.
ويعكس ذلك تغيراً أعمق في سلوك المستهلك العالمي، إذ لم يعد القرار الشرائي يعتمد فقط على الرغبة أو الانطباع الشخصي، بل أصبح نتاجاً لتحليل رقمي متكامل تديره خوارزميات ذكية تعمل بصورة مستمرة على تقييم البدائل واختيار الأنسب.
فرصة جديدة للشباب المصري
ورغم التحديات التي يفرضها هذا التحول، أكد حجازي أن الشباب المصري يمتلك فرصة حقيقية للعب دور مؤثر في مستقبل الصناعة، خاصة مع اتساع الاعتماد العالمي على التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن فهم طبيعة التفاعل بين الأنظمة الذكية والمستهلكين سيصبح من أهم عناصر النجاح خلال السنوات المقبلة، سواء بالنسبة للشركات أو المتخصصين في مجالات التسويق والتحول الرقمي، في وقت تتجه فيه الأسواق العالمية نحو إعادة تعريف العلاقة بين العلامات التجارية والعملاء بصورة غير مسبوقة.
مقالات ذات صلة

«STDF» تفتح باب التقدم لشراكات بحثية مصرية يابانية جديدة..رابط التسجيل
فتح باب التقدم لبرامج التعاون العلمي المشترك بين مصر واليابان، في إطار جهود تعزيز الشراكات البحثية الدولية

الذكاء الاصطناعي في خدمة التصدير.. شراكة بين جهاز تنمية المشروعات وEXBY للوصول للأسواق العالمية
وقع جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر وشركة EXBY خطاب إبداء نوايا للتعاون الاستراتيجي

تعرف على 8 شركات سعودية وشركتين دوليتين ضمن قائمة الشركات المختارة لبرنامج DISAI 2026
اختارت «كوالكوم» و«أرامكو» و«هيوماين» 10 شركات ناشئة، بينها 8 سعودية وشركتان دوليتان، للمشاركة في برنامج DISAI 2026 لتسريع ابتكارات الذكاء الاصطناعي.

شراكة بين «صندوق عُمان المستقبل» و«gatekey.money» لتوسيع الخدمات المالية الرقمية ودعم التحول الرقمي
أعلن «صندوق عُمان المستقبل» استثماره في «gatekey.money» عبر «R&D Capital» لدعم المدفوعات الرقمية، وتعزيز الابتكار والشمول المالي والتحول الرقمي في عُمان.

