تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

من «بوتيم» إلى «مال».. عبدالله أبو الشيخ يعيد رسم خريطة البنوك الإسلامية الرقمية

عبدالله أبو الشيخ ينتقل من «بوتيم» إلى «مال» لقيادة تحول البنوك الإسلامية رقمياً عبر منصات شاملة تجمع التمويل والتكنولوجيا.

عإ عاصم إبراهيم تم تحديثه 0 د قراءة
من «بوتيم» إلى «مال».. عبدالله أبو الشيخ يعيد رسم خريطة البنوك الإسلامية الرقمية

في وقت تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي وتتشابك فيه مسارات التكنولوجيا مع التمويل، تبرز تجربة عبدالله أبو الشيخ كنموذج يعكس تحولات أعمق في بنية ريادة الأعمال بالمنطقة، ليس فقط من حيث تنوع القطاعات، ولكن في طريقة التفكير ذاتها التي تحكم قرارات التوسع والاستثمار وبناء الكيانات الرقمية.

يروي أبو الشيخ، مؤسس منصة «مال» والرئيس التنفيذي السابق لتطبيق «بوتيم»، مسارًا مهنيًا غير تقليدي، تشكل عبر محطات جغرافية وثقافية متعددة، بدأت من الأردن مرورًا ببريطانيا والصين، وانتهت إلى بناء منصات رقمية تخدم مئات الملايين من المستخدمين. هذه النشأة المتنوعة لم تكن مجرد خلفية تعليمية، بل لعبت دورًا مباشرًا في صياغة نمط تفكير يميل إلى الانضباط الصارم، خاصة تحت تأثير التجربة الصينية، التي وصفها بأنها بيئة لا تعترف بالعمر بقدر ما تضع الالتزام معيارًا وحيدًا للحكم على الأداء.

هذا التكوين المبكر انعكس لاحقًا على قراراته المهنية، خصوصًا في لحظة التحول الفارقة عقب وفاة والده، حين انتقل بشكل مفاجئ من حياة طالب جامعي إلى إدارة مسؤوليات عائلية وتجارية معقدة. تلك المرحلة، التي اتسمت بضغط كبير وتحديات متشابكة، مثلت اختبارًا عمليًا مبكرًا لقدراته، ودفعت به إلى الانخراط المباشر في عالم الأعمال دون تمهيد تقليدي.

التحول الأكبر في مسيرته جاء من أفريقيا، حيث لم تكن الرحلة مجرد محاولة لإدارة أصول قائمة، بل بوابة للدخول إلى قطاع جديد بالكامل، هو الطاقة المتجددة. في جامبيا، التقط أبو الشيخ فرصة ناشئة في سوق يعاني فجوات هيكلية، ليؤسس مشروعًا بالشراكة مع جهات دولية، تطور لاحقًا إلى شركة نفذت مشروعات تتجاوز قدرتها الإنتاجية 1.2 جيجاوات في عدة دول أفريقية. ورغم هذا التوسع، اتخذ قرار التخارج بعد ثلاث سنوات، في خطوة تعكس فلسفة استثمارية قائمة على إعادة تقييم العائد مقابل الجهد، وليس فقط الاستمرار بدافع النجاح الظاهري.

هذه الفلسفة، التي تقوم على مرونة التحرك بين القطاعات، ظهرت بوضوح في انتقاله لاحقًا إلى الإمارات، حيث حاول التقاعد مؤقتًا، قبل أن يعود سريعًا إلى تأسيس شركات جديدة، مدفوعًا برصد فجوات سوقية غير مستغلة. ومن هنا، جاءت تجربة منصة «رزق»، التي انطلقت من احتياج شخصي بسيط، لتتحول إلى منصة خدمات عند الطلب، استفادت بشكل كبير من التحولات التي فرضتها جائحة كورونا، وحققت نموًا ملحوظًا في فترة قصيرة.

لم يقتصر تنوع استثماراته على الخدمات، بل امتد إلى قطاع المركبات الكهربائية، في استجابة مباشرة لاتجاهات السوق العالمية، ولكن برؤية محلية تراعي خصوصية المناخ والاحتياجات الإقليمية، في نقد ضمني لنموذج استنساخ الحلول الجاهزة من الأسواق المتقدمة دون تكييف.

المرحلة الأكثر تأثيرًا في مسيرته جاءت مع تأسيس شركة «أسترا تك» عام 2022، والتي شكلت منصة انطلاق لتجميع عدة خدمات تحت مظلة واحدة، culminating في تطوير تطبيق «بوتيم» كنموذج لما يعرف بـ«التطبيق الفائق»، الذي يدمج بين خدمات الاتصال والخدمات المالية. هذا النموذج، الذي يعتمد على ما يسمى “تأثير الشبكة”، أتاح للتطبيق الوصول إلى أكثر من 150 مليون مستخدم، عبر دمج الاحتياجات اليومية للمستخدم في منصة واحدة.

في هذا السياق، تأتي منصة «مال» التي أُعلن عنها في 2025، كخطوة تتجاوز فكرة التطبيقات متعددة الخدمات إلى إعادة تشكيل مفهوم البنوك الإسلامية الرقمية. لا يطرح أبو الشيخ المشروع كبنك رقمي تقليدي، بل كنموذج جديد يسعى إلى تجاوز قيود البنية المصرفية القديمة، من خلال بناء منظومة مالية رقمية بالكامل، أكثر مرونة وكفاءة، وقادرة على استيعاب متطلبات المستخدمين في الأسواق الناشئة.

يرى أبو الشيخ أن التحدي الحقيقي أمام القطاع المصرفي لا يكمن في تبني التكنولوجيا، بل في قدرته على إعادة بناء نماذجه التشغيلية من الصفر، وهو ما يعتبره شرطًا أساسيًا لتحقيق تحول رقمي فعلي، خاصة في مجال الصيرفة الإسلامية، التي لا تزال، من وجهة نظره، في حاجة إلى تطوير أدواتها لتواكب العصر الرقمي.

على مستوى فلسفة الاستثمار، يطرح أبو الشيخ رؤية تركز على العنصر البشري كعامل حاسم في نجاح المشاريع، معتبرًا أن الأفكار متاحة، لكن التنفيذ هو ما يصنع الفارق. كما ينتقد الاعتماد المفرط على التمويل كشرط للانطلاق، مؤكدًا أن بدء المشروع، حتى بإمكانيات محدودة، هو ما يجذب المستثمرين في المقام الأول، وليس العكس.

بهذا المعنى، لا تبدو تجربة عبدالله أبو الشيخ مجرد قصة نجاح فردية، بل تعكس تحولًا أوسع في عقلية ريادة الأعمال في المنطقة، حيث تتقاطع الجرأة في اتخاذ القرار مع القدرة على التنقل بين القطاعات، واستباق التحولات الكبرى في الاقتصاد الرقمي، خاصة في مجالات التمويل والخدمات المتكاملة.

مقالات ذات صلة